التفتازاني
295
شرح المقاصد
ليس مما أمر الشارع به ، وحكم بأن « 1 » فاعله يستحق المدح ، وتاركه الذم عند اللّه تعالى والمعتزلة إنما يقولون بالوجوب بمعنى استحقاق تاركه الذم عند العقل ، أو بمعنى اللزوم عليه كما في تركه من الإخلال بالحكمة . قلنا : على الأول لا نسلّم أنه يستحق الذم عقلا « 2 » على فعل أو ترك ، فإنه المالك على الإطلاق . وعلى الثاني لا نسلم أن شيئا من أفعاله يكون بحيث يحل تركه بحكمة لجواز أن يكون له في كل فعل أو ترك حكم ومصالح لا تهتدي إليها العقول ، فإنه الحكيم الخبير على أنه لا معنى للزوم عليه « 3 » إلا عدم التمكن من الترك ، وهو ينافي الاختيار . ولو سلّم فلا يوافق مذهبهم أن صدور الفعل عنه على سبيل الصحة من غير أن ينتهي الوجوب . ولهذا اضطر المتأخرون منهم إلى أن معنى الوجوب على اللّه أنه يفعله البتة ، ولا يتركه ، وإن كان الترك جائزا كما في العاديات . فإنا نعلم قطعا أن جبل « 4 » أحد باق على حاله لم ينقلب ذهبا وإن كان جائزا . والجواب : أن الوجوب حينئذ مجرد تسمية والحكم بأن اللّه تعالى يفعل البتة ما سميتموه واجبا جهالة وادعاء من شرذمة بخلاف العاديات ، فإنها علوم ضرورية خلقها اللّه تعالى لكل عاقل ، والعجب أنهم لا يسمون كل ما أخبر به الشارع من أفعاله واجبا عليه ، مع قيام الدليل على أنه يفعله البتة .
--> ( 1 ) في ( ب ) فإن بزيادة ( الفاء ) . ( 2 ) في ( أ ) بزيادة ، ( عقلا ) . ( 3 ) في ( ب ) لا لوم بدلا من ( للزوم ) . ( 4 ) الجبل في اللغة : المرتفع الشامخ من الأرض ، وضده السهل والجمع جبال ويقال للجبال الأعلام والأطواد والرواسي وجاءت هذه الترادفات جميعا في القرآن ، قال تعالى : وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ وقال : فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وقال : وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ . وجبل أحد : بالقرب من المدينة تنسب إليه المعركة التي نشبت بين المسلمين والمشركين من قريش في 11 شوال عام 3 ه مارس 624 م .